يوسف بن تغري بردي الأتابكي

206

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة

أو ليلتين فلم يبق أحد إلا وغلب على ظنه أنه يموت بهذا الداء واستعد الناس جميعا وأكثروا من الصدقات وتحاللوا وأقبلوا على العبادة ولم يحتج أحد من هذا الوباء إلى أشربة ولا أدوية ولا أطباء لسرعة الموت فلم انتصف شوال إلا والطرقات والأسواق قد امتلأت بالأموات فانتدب جماعة لمواراتهم وانقطع جماعة للصلاة عليهم وخرج الأمر عن الحد ووقع العجز عن العدد وهلك أكثر أجناد الحلقة وخلت الطباق بالقلعة من المماليك السلطانية لموتهم فما أهل ذو القعدة إلا والقاهرة خالية مقفرة لا يوجد بشوارعها مار بحيث إنه يمر الإنسان من باب زويله إلى باب النصر فلا يرى من يزاحمه لاشتغال الناس بالموتى وعلت الأتربة على الطرقات وتنكرت وجوه الناس وامتلأت الأماكن بالصياح فلا تجد بيتا إلا وفيه صيحة ولا تمر بشارع إلا وترى فيه عدة أموات وصلي في يوم الجمعة بعد الصلاة على الأموات بالجامع الحاكمي فصفت التوابيت اثنين اثنين من باب مقصورة الخطابة إلى باب الجامع ووقف الإمام على العتبة والناس خلفه خارج الجامع وخلت أزقة كثيرة وحارات عديدة من الناس وصار بحارة برجوان اثنتان وأربعون دارا خالية وبقيت الأزقة والدروب المتعددة